الحمد لله ذي العزة والجلال، الكبير المتعال، له الأسماء الحسني وصفات الكمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي كل مؤمن ومؤمنة، ومن يرده الله بسوء فلا مرد له وما له من دونه من وال، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، أصدق من عمل وقال، يعجبه الفأل ويكره القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى الصحب والآل، ومن سار على طريقهم واتبع نهجهم إلى يوم المآل وسلم تسليماً كثيراً .
أما بعد : فاوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه ولزوم طاعته في المنشط والمكره والغضب والرضا والخلوة والجلوة، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً .
أيها الناس : كأن شيئا لم يكن، قد انقضى ومضى ما مضى، فقد مضت أيام تمر مر السحاب عشية تمضي وتأتي بكرة، والزمن يجري بسرعة عجيبة، وحياة الإنسان كحبل ممدود، لا يدرى متى ينقطع، والكيس الفطن من لا يلتفت إلى الماضي استعباراً لما فيه فيقنط، أو حزنا عليه فيكسل، ولا يتلهف إلى المستقبل يريد أن يعرفه قبل أوانه، فلذة الماضي وشدته منسية وأما الغد فالجميع منا فيه على خطر الغيب، فما هو إلا اليوم والساعة التي نحن فيها، وما لنا فيما مضى إلا الاعتبار والا دكار ، وأن من يعش يكبر ومن يكبر يمت، والمنايا لا تبال ما أتت، وأن كل اجتماع فإلي افتراق وأن الدهر ذو فتح وذو إغلاق .
قد انصرم شهر رمضان وانمحى، واختل نظامه بعد أن كان قد اتسق ، لقد كان بين أيدينا وملء أسماعنا وأبصارنا حتى انقضى موسم التقوى، وهدأ تغريد بلابل الروح فيه، وتلاشت ذكرياته وكأن أوراق الخريف عصفت بها الريح على أمر قد قدر .
عباد الله : لئن انتهى شهر رمضان المبارك بما فيه من بحار الفضائل و أنهار الشمائل فإن فضائل الطاعة لا تنقطع ولا تنتهي ومن كان يعبد الله في رمضان فإن الله حي لا يموت ، وهو رب الشهور كلها ، ومن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد ولى وانصرم ،و لذا كان من المؤسف لكل تقي نقي أن يرى مظاهر الكسل والفتور والتراجع عن الطاعة والتزامها والشعور بها ، ظاهرة لكل بصيرة بعد انسلاخ الشهر المبارك، وكأن الدين كله محصور في رمضان .
نعم لشهر رمضان المبارك ، ميزة جلى على بقية الشهور لا يوجد في غيره من الشهور كما هي الحال في رمضان، وتلاوة القرآن قد حض عليه الشارع الكريم في غير رمضان أيضاً ، ولذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان جواداً طيلة حياته وكان جوده يزداد في رمضان ، ولئن كان في شهر رمضام ليلة القدر التي من صامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، فإن في بقية السنة أعمالاً تماثل هذا العمل ، فقد روى الشيخان في صحيحيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال
: " من قال سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر " وروى الشيخان
أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم : " من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صل ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه " فهذان الحديثان وغيرهما فيهما ما يدل على أن بعض الأعمال لها من الخير مثل من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ، وقد صح عند مسلم في صحيحه
أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال : "يكفر السنة الماضية والباقية " الحديث . وبعد يا رعاكم الله : فإنه إذا كان فعل السيئة قبيحاً في نظر الإسلام فما أشنعه وأقبحه بعد فعل الحسنات ، فلئن كانت الحسنات يذهبن السيئات فإن السيئات تعكر الأعمال الص الحة وتزاحمها، ولقد استعاذ نبينا صلى الله عليه وسلم من الحور بعد الكور، وقد قال الله جل )) : وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )) [النحل : 92]
ولذا عباد الله فإن من وقع في التقصير بعد التمام أو تمكنت منه الذنوب بعد الإقلاع عنها، لهو ممن باعد نفسه عن الفوز بالطاعة، ولو خص نفسه بعبادة موسمية إذا كان مسلوباً لذة المناجاة وحلاوة التعبد، خلافاً لرجال مؤمنين ونساء مؤمنات من عباد الشهور كلها شوالهم كرمضانهم والتقرب إلى الله عندهم لا ينقطع إلا بالموت (( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )) [الحجر : 99]
لقد سمعت الآن ايها المسلم ، لقد سمعت الآن أيها المسلم وعرفت ولقد أحسن من انتهى إلى ما سمع وعرف، ولقد ذقت شيئاً من طعم العبادة في رمضان فلا تعكرن هذا الطعم بما يشينه، وعليك بالدوام وإن قل فليست العبرة بالكم، وإنما هي بالكيف ، فقد قال سبحانه : (( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ )) [الملك : 2] - . ولم يقل أكثر عملاً ، فإن المداومة على القليل تحض بإذن
لله على الفترة بعد الشرة ، ولقد قال صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل رواه البخاري ومسلم .
قد قلت ما قلت فإن صواباً فمن الله وإن خطأ فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله إنه كان غفاراً .
موقع الشيخ الشريم

lh`h fu] vlqhk dhhlm hghsghl hghsghl fu] dhhlm